أليس الصبح بقريب ؟

$14.670

الوصف

الوصف

حين أمسكتُ بالقلم أول مرة، لم أكن أعلم أنني أدخل في ميثاق أبدي مع الكلمات، وأن العلاقة
بيني وبينها ستصبح أشبه بالقدر الذي لا مفر منه. كنت أكتب كما يتنفس المرء، أكتب لأطمئن
أنني ما زلت على قيد الحياة، وأكتب لأتلمّس طريقي وسط العتمة التي قد تداهمنا جميعًا في
لحظة ما. ومع مرور الزمن، لم تعد الكتابة عندي مجرّد فعل للتعبير، بل غدت وسيلة للبقاء،
طريقة لمواجهة أسئلة الوجود التي لا تنتهي، بل صارت الكلمة حارسًا داخليًا يُذكّرني دائمًا بأن
الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يتركه من أثر في النفوس.
من هنا جاء هذا الكتاب. لقد جمعتُ فيه خمسين مقالة كتبتها في أزمنة مختلفة، وبدوافع شتى،
لكنها في النهاية تمثل خيطًا واحدًا يربطني بالكلمة، ويجعلها تصعد من داخلي كما يصعد
الدعاء، وكما يرتفع الرجاء. اخترت لها عنوانًا هو «وأنا اخترتك»، لأنني مؤمنة بأن اختيار
الكلمة ليس قرارًا واعيًا فحسب، بل هو أيضًا اصطفاء خفي، فيه قدر من المحبة وقدر من
الإيمان. كأن الله حين يفتح لك باب القول يختارك لتكون شاهدًا بالكلمة على عصرٍ، أو على
تجربة، أو على معنى أكبر من حدود ذاتك.
لقد كنت دائمًا أرى أن المقالة ليست مجرد نص قصير يُقرأ وينسى، بل هي شكل من أشكال
الاعتراف، أو لنقل هي مساحة للتأمل في الحياة من زاوية إنسانية، حيث يتقاطع الخاص مع
العام، والذاتي مع الجماعي. كثير من المقالات التي بين أيديكم بدأت بفكرة صغيرة، ربما آية من القرآن، أو مشهد عابر، أو حادثة يومية بسيطة، لكنّها سرعان ما تحولت إلى نص يتجاوز
حدود اللحظة، ليطرح أسئلة أعمق عن العدالة، والرحمة، والأمانة، والإيمان، والوجود ذاته.
وحين أعدتُ قراءة هذه المقالات قبل أن أجمعها في كتاب، أدركت أنني لم أكن أكتب عن
الآخرين فقط، بل كنت أكتب عن نفسي أيضًا، أواجه ضعفي وقوتي، حزني وفرحي، يقيني
وحيرتي. فالكتابة مرآة، لكنها ليست مرآة صافية دائمًا، بل مرآة تُظهر ما نخفيه وما نظن أننا
نجيد التستر عليه. لهذا فإن هذا الكتاب هو في جانب منه سيرة غير مباشرة، أو بالأحرى هو
خريطة لرحلتي الروحية والفكرية، حيث تحضر النصوص القرآنية كمنطلق، وتتفرع عنها
تأملات في شؤون الحياة، في الاقتصاد والأخلاق والتربية والإنسانية، في تفاصيل يومية تبدو
عادية لكنها في حقيقتها مفاتيح لفهم عميق.
إنني حين أكتب عن الكلمة الطيبة، أو عن عدل الميزان، أو عن برّ الوالدين، أو عن الصلاح
الممتد أثره عبر الأجيال، لا أفعل ذلك بوصفه درسًا أخلاقيًا جاهزًا، بل أكتبه بصدق التجربة،
لأنني أؤمن أن النص لا يحيى إلا إذا حمل أثرًا من روح كاتبه. وكم من مرة عدتُ إلى مقالة
كتبتها فوجدت نفسي أتعلم منها من جديد، كأنني لم أكتبها أنا، بل كأنها كُتبت لي. هذه العلاقة
العجيبة بين الكاتب وكلماته هي ما أردت أن أحتفي به في هذا الكتاب.

منى الجهني

معلومات إضافية

معلومات إضافية

الوزن .26 كيلوجرام
مراجعات (0)

المراجعات

لا توجد مراجعات بعد.

كن أول من يقيم “أليس الصبح بقريب ؟”

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *