عرض النتيجة الوحيدة

Show sidebar

مانديلا السيرة الموثقة

لماذا يجذب شيخ سياسي أفريقي هذا التعاطف والحب الفريد، في أوروبا وأمريكا وآسيا، في زمن يتزايد فيه عدم الثقة بالسياسيين في كل مكان أكثر من أي وقت مضى؟ ماذا حلّ بالمحامي الشاب الصلب، والفخور الثائر، الذي كان ينظر بريبة في جوهانسبرغ في الخمسينات، إلى عالم البيض العدائي، والذي يلقي الخطب العنيفة الصاخبة، يشجب فيها الامبرياليين البريطانيين؛ ماذا غيّر ابتسامة ذلك الشاب المشرقة إلى كشرة مرحبة تنم عن الدفء الأصيل.

وعلى الرغم من تلك الانطباعات ليس من السهل لكاتب سير أن يصوّر نلسون مانديلا من وراء أيقونة: إن ذلك يشبه محاولة تصوّر شكل شخص ما من الجانب المعاكس للأضواء، فالأسطورة قوية جداً إلى درجة قد تغشي وتحيطها بضباب، إنها أسطورة تبهر الصغار والكبار على حدّ سواء، فقد صارت قصة مانديلا كحكاية الأسطورة والخرافة المفضلة في العالم: لقد أطلق سراح السجين من الزنزانة المعتمة. لقد تبين أن الفقير هو الأمير، إنه الغول الذي تبين أنه هو الساحر. حتى السياسيون الذين يحسنون الظن بالدوافع البشرية مسحوا عبراتهم في حضور مانديلا، فربما رأوا فيه قديساً دنيوياً جعل مهنتهم تبدو للناس طاهرة، وارتقى فوق إخفاقاتهم.

لقد عاش مانديلا في غابة السياسة خمسين سنة، وكان له نصيبه من الضعف الإنساني، وفيه العناد والكبرياء والبساطة والسذاجة والاندفاع والتصور، ووراء سلطته وقيادته الأخلاقيتين كان يخفي دائماً سياسياً متكاملاً وقد ارتكزت منجزاته العظيمة على براعته واتقانه السياسة بمعانيها العريضة الواسعة، وعلى فهمه كيف تحرك ويقنع الناس بتغيير مواقفهم ونهجهم فهو عازم دائماً على أن يتولى القيادة من خطها الأمامي، شأن غاندي أو تشرشل، من خلال ضربه المثل بنفسه، ومن خلال حضوره، فقد تعلم في وقت مبكر كيف يبني صورته وكيف يفهمها وعلى هذا فقد غدت قصة حياة مانديلا مركزية بالنسبة إلى قصة شعبه.

لقد ترعرع مع قصص إذلال قبيلته بالذات، قبل أن تتأسس دولة جنوب أفريقية قبل ثماني سنوات من مولده، وهي الاتحاد بين الناطقين بالأفريقانية الإنكليزية، حيث تمّ إيجاد ديموقراطية استبعد منها الأفريقيون. لقد عاش خلال ظهور وسقوط التميز العنصري، ورأى كيف أن ذلك التمييز سيطر على مواقف الناس وحياتهم. وفي رئاسته، شهد إصرار المواقف التمييزية العنصرية، وعرف كم بقي من معاقل العرقية في الجيش، وفي مجالات الأعمال، وفي وسائل الإعلام. لكن تجربته أقنعته أن المصالحة يمكن تحققها. كان يعيد تأسيس شعب، ويمهره بفكرة التسامح العرقي والتعاون مثلما مهره سابقوه بعدم التسامح والعزل العرقي بقي مانديلا سيد الصور الرمزية، لكنها أصبحت جزءاً من شخصيته وتاريخه بالذات، وهي تكسب المزيد من الإعجاب العالمي في الوقت الذي تقاعد فيه عن السياسة ليصبح رجلاً مسناً عادياً. لقد نجا من أخر تحد لسمعته عندما غادر السجن، ليتلاءم مع صورته الأيقونية العالمية الجارفة، وقد فضل ذلك بتقديم نفسه إنسان لا معصوماً.

تقترب سيرة حياته في النهاية من أسطورته، وكانت استقامته الأساسية-أكثر من أسطورة ما فوق البشر-هي التي أعطت قصة الإعجاب عبر العالم بأكمله، والكاتب أنطوني سامبسون الذي كان من حسن خطه أنه عرف مانديلا قبلاً في جوهانسبرغ سنة 1951، ثم شاهده في مواقف مصيرية عدة، خلال السنوات العشر التالية قبل سجنه. وقد التقى أولاً بعد حضوره إلى جنوب أفريقية لتحرير مجلة السود “درم Drum”، التي فتحت جميع الأبواب المؤدية إلى العالم الصاخب المثير للكتاب والموسيقيين والسياسيين السود في جوهانسبرغ، حيث كان مانديلا يتحرك، إذ أعطى للكاتب موقعاً متقدماً ليشهد منه المعارضة السوداء المتصاعدة ضد الحكومة العنصرية التي وصلت إلى السلطة سنة 1948. مستعيناً بكل ذلك إلى جانب عناصر أخرى يحاول هذا الكاتب ومن خلال هذا الكتاب “السيرة الموثقة”، عرض الحقائق القاسية لحياة مانديلا الطويلة والمحفوفة بالمخاطر، كما بدت له ولأصدقائه في زمنها، مجردة من بريق الأسطورة الرومانسية، متقصياً من ثم تعاظم صورة مانديلا المتألقة عندما كان سجيناً، والتي اكتسبت تأثيرها وقوتها الخاصة في شتى أنحاء المعمورة، كما حاول الكاتب أن يعرض كيف استطاع السجين أن يربط الرمز بالواقع.

فقد أولى سنين سجن مانديلا الطويلة في هذه السيرة اهتماماً خاصاً، وساعده على ذلك المقابلات الشاملة التي أجريت معه، والرسائل والوثائق التي لم تنشر، فقصة سجن مانديلا لها قيمة فريدة عن كاتب السيرة، إذ توفر، بما فيها من زخم إنساني واختبارات للشخصية، مسرحية صادقة حميمة أكثر مما هي مهرجاناً تاريخياً واسع المدى، حيث أصبحت علاقات مانديلا بأصدقائه وسجانيه مسرحية درامية عالمية ذات مغزى وأهمية تجاوزت السياسة الأفريقية.

إن سنين سجن مانديلا تُصَوَّر غالباً كفجوة طويلة في مجرى حياته السياسية، غير أن الكاتب يراها مفتاحاً لتطور شخصيته بتحوله من ناشط عنيد إلى رجل دولة عالية المستوى، كثير التأمل، ذاتي الانضباط. ففي هذه السيرة حاول الكاتب أيضاً وضع حياة مانديلا في إطار عالمي أوسع، مستقياً معلوماته من رسائله ومصادر دبلوماسية واستخباراتية لم تنشر بعد. متقصياً من ثم أثر سوء الفهم وسوء التصرف اللذين تعامل بهما العالم الغربي مع الأزمة المتفاقمة في جنوب أفريقية في الستينات والسبعينات، وكيف خدع وضلل في كل ما له علاقة بمانديلا ورفاقه، من خلال الهواجس التي استبدت به ومن خلال حملات الحرب الباردة. وكيف غاب تقريباً عن شاشات رادار العالم، وكيف ساهمت حكومات وأفراد بعودته منتصراً. محاولاً آنفاً اقتفاء المفاهيم المتغيرة والمتناقضة عن جنوب أفريقية في العالم الخارجي، التي تحمل في طياتها أولاً تنبؤات رهيبة تنذر بحمام دم وشيك، كما تنطوي على نموذج للمفاوضات والتسويات التي خاضها مانديلا في قلب الأحداث.

والكاتب مدين في رواية هذه السيرة الموثقة وهذا العمل الطموح للرئيس مانديلا ذاته، فقد كان كريماً جواداً على الكاتب بوقته الثمني. ولم يقتصر ذلك على إفساحه المجال له لإجراء مقابلات شخصية معه فحسب، بل هو قام أيضاً بقراءة المسودات المعدّة لطباعة هذا العمل. كما قام بتصويب عدد من الوقائع والتفاصيل، مع احترامه للاتفاق بينه وبين الكاتب على عدم التدخل بآرائه واجتهاداته الشخصية، وقد أضافت تعليقات مانديلا الحيوية التي أضافها على النص أكثر مما أنقصت من المسودة الأساسية. ويقول الكاتب بأن تلك كانت تجربة نادرة حيث حظي بمثل هذا التفاعل مع شخصية تاريخية فذة.

إن حياة نلسون مانديلا، من منظوريها الشخصي والعالمي ملحمة من ملاحم القرن العشرين، ومن أعظمها إلهاماً. لقد كان مانديلا، قبل عشرين سنة، نسياً منسياً في سجن على جزيرة “روبين”. أما اليوم، وقد غادر موقع الرئاسة في جنوب إفريقية، فهو محطّ الإعجاب والتقدير كواحد من أعظم قادة الأرض.

لقد فتح مانديلا لمؤلف هذا الكتاب سبيلاً غير مسبوق إلى رسائله التي أرسلها من سجنه، والتي لم تنشر من قبل، إلى جانب كتابات أخرى لم تنشر من قبل أيضاً؛ من ضمنها سيرته الذاتية التي بقيت مكتومة، وبذلك مكّن مانديلا مؤلف الكتاب من تدوين أشمل وأوسع عمل يبحث في حياته حتى هذا اليوم. لقد عرف “أنطوني سامبسون” مانديلا منذ بداية خمسينات القرن العشرين، وقد قام بمئات من المقابلات الشخصية مع زملاء لمانديلا، وأصدقائه، وأفراد أسرته، كما قابل سجّانيه، وأفارقة ووزراء سابقين، وهو أول شخص يَطّلع على أرشيف السجن في جنوب إفريقية، وعلى الوثائق الدبلوماسية فيها، وفي بريطانية، وفي الولايات المتحدة الأمريكية.

ونتيجة لذلك، فإن الكتاب يسلط أضواءه على كل منعطف في خيارات مانديلا المناقبية والشخصية في حياته الخاصة والعامة. لقد دفع مانديلا ثمناً مأساوياً لصراعه من أجل الحرية ضد نظام التمييز العنصري، مما أوقع العداء مع زوجه “ويني” وأبعده عن أولاده. أما السجن، الذي كان له ما يشبه معهداً جامعياً، فقد حوّل مانديلا من “ثائر فج” إلى رجل دولة من الطراز الأول كرَّس نفسه للوفاق.

يلقي الكتاب أضواء كثيرة ببصيرة نافذة على قصة مانديلا. إنه يبيِّن كيف عامله دبلوماسيو بريطانيا وأمريكا بازدراء واستخفاف عندما دخل السجن؛ وكيف أدرك الحاجة لمؤسسة حرَّة في بيان له كتمه الشيوعيون وعتَّموا عليه؛ وكيف هدده واتهمه زملاء له بأنه يبيع قضيته للحكومة العنصرية خلال سنوات سجنه الأخيرة؛ وكيف شجع الجناح اليمني الإفريقي؛ وكيف وضع مانديلا ثقته في ب.و.بوتا بينما نجده لم يثق بـ ف.و.دي كلارك.

لم يكتم المؤلف مشاعر مانديلا الشخصية، وعناده، وولاءاته الثابتة، وانفصاله عن نشأته كأمير وعدم احتفائه بها. والقصة الإنسانية التي تبزغ من هذه السيرة الإبداعية الموثَّقة إنما هي متممة لسيرة مانديلا الذاتية الشهيرة، ولسوف تأسر قلوب قرائها.

د.ك5.900 إضافة إلى السلة